يرى جان بيير لاكروا، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام، أن قوات حفظ السلام ما زالت تمثل أحد أهم أدوات المجتمع الدولي في مواجهة النزاعات المتصاعدة، رغم التحديات المالية والسياسية التي تهدد قدرتها على أداء مهامها. ويؤكد أن نجاح السلام لا يعتمد على وجود هذه القوات وحدها، بل يحتاج إلى إرادة دولية مستمرة واستثمارات طويلة الأمد في الاستقرار والتنمية.


وتوضح الجارديان أن مناطق عديدة حول العالم ما زالت تعتمد على بعثات الأمم المتحدة لحماية المدنيين ومنع اتساع رقعة الصراعات. وفي ظل تزايد النزاعات العابرة للحدود وتفاقم الأزمات الإنسانية، تواجه هذه البعثات ضغوطًا متزايدة نتيجة تأخر التمويل وتراجع الموارد المخصصة لعمليات حفظ السلام.


حفظ السلام في مواجهة النزاعات المتصاعدة


يستشهد الكاتب بمدينة أم دافوق الواقعة شمال جمهورية أفريقيا الوسطى كنموذج لأهمية عمليات حفظ السلام. فمع تصاعد تداعيات الحرب في السودان، أنشأت بعثة الأمم المتحدة في أفريقيا الوسطى قاعدة مؤقتة لحماية اللاجئين والنازحين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية.


وعندما دفعت التوترات المحلية آلاف الأشخاص إلى مغادرة منازلهم، ساعدت قوات حفظ السلام في إطلاق حوار بين المجتمعات المحلية والسودانية، ما أفضى إلى اتفاق محلي سمح بعودة معظم الأسر النازحة إلى مناطقها. ويعد هذا المثال، بحسب الكاتب، صورة عملية لما يمكن أن تحققه الاستثمارات الموجهة نحو السلام والاستقرار.


ويخدم اليوم أكثر من خمسين ألف عنصر من العسكريين والشرطة والمدنيين تحت راية الأمم المتحدة في عدد من أكثر مناطق العالم خطورة وتعقيدًا، حيث يواصلون حماية المدنيين والحد من مخاطر الانزلاق نحو مزيد من العنف.


أزمة التمويل وتأثيرها على العمليات الأممية
 

يشير الكاتب إلى أن الانقسامات السياسية الدولية وانتشار المعلومات المضللة والتطورات التكنولوجية السريعة تفرض تحديات إضافية على عمليات حفظ السلام. إلا أن العقبة الأبرز تتمثل في القيود المالية التي أجبرت العديد من البعثات على تقليص أنشطتها الميدانية.


وأدى نقص التمويل إلى خفض أعداد القوات في عدد من المهام الأممية وتقليص الدوريات والأنشطة التدريبية والدعم التشغيلي. وانعكس ذلك مباشرة على قدرة البعثات في الوصول إلى المجتمعات النائية والحفاظ على حضورها الميداني.


وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية تراجع عدد الدوريات الأمنية بصورة ملحوظة، ما حد من القدرة على الوصول إلى المناطق عالية المخاطر. كما قيد إغلاق بعض المكاتب الميدانية في جنوب السودان جهود الوساطة السياسية وحماية المجتمعات المحلية. وفي الصحراء الغربية وأفريقيا الوسطى قلصت القيود التشغيلية من إمكانات المراقبة ورصد الانتهاكات في المناطق البعيدة.



الاستثمار في السلام أقل كلفة من الصراع



يؤكد الكاتب أن قوات حفظ السلام لا تقتصر مهمتها على مراقبة الأوضاع الأمنية، بل تسهم في دعم العدالة المحلية وتعزيز الحوار السياسي وإزالة الألغام وتأمين وصول المساعدات الإنسانية. ففي جنوب السودان تساعد البعثات الأممية في تشغيل محاكم متنقلة لخدمة المجتمعات المحرومة من المؤسسات القضائية، بينما تعمل فرق أخرى في مناطق مختلفة على منع تفجر النزاعات المحلية قبل اتساعها.


كما تحافظ قوات حفظ السلام على البنية التحتية الحيوية التي يعتمد عليها السكان في الحصول على الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية، وهو دور يكتسب أهمية متزايدة في المناطق المتضررة من الحروب والكوارث.


ويخلص الكاتب إلى أن الاستثمار في السلام ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية تقل كلفتها كثيرًا عن كلفة النزاعات والنزوح وانعدام الاستقرار. ويحذر من أن أي تراجع في دعم عمليات حفظ السلام ينعكس سريعًا على المجتمعات الأكثر هشاشة، مؤكدًا أن رجال ونساء الأمم المتحدة لا يستطيعون بناء السلام بمفردهم، وأن نجاح هذه المهمة يتطلب شراكة دولية حقيقية وإرادة جماعية لدعم الاستقرار. وبالنسبة لملايين البشر الذين يعيشون وسط النزاعات، قد يشكل وجود قوات حفظ السلام الفارق بين الخوف والأمان، وبين العزلة والمساعدة، وبين اليأس والأمل.

 

https://www.theguardian.com/global-development/2026/jun/02/united-nations-un-peacekeepers-south-sudan-drc-lebanon-golan-car